عبد الوهاب الشعراني
117
تنبيه المغترين
وقد كانت فاطمة بنت عبد الملك تقول ما أعلم أن عمر بن عبد العزيز رحمه اللّه اغتسل من جنابة منذ ولى الخلافة ، وكان الأسود بن يزيد رحمه اللّه يصوم في شدة الحر حتى يصفر بدنه تارة ويخضر أخرى ، فقيل إلى كم تعذب هذا الجسد ؟ فقال : إنما أطلب راحته ونعيمه ، وكان مالك بن دينار رحمه اللّه تعالى قد حفر في بيته قبرا فكان ينزله كل ليلة فيصلي فيه إلى الصباح ، قال : ولما أفضت الخلافة إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه كان لا ينام ليلا ولا نهارا ، أو يقول إن نمت في الليل ضيعت نفسي وإن نمت في النهار ضيعت رعيتي وأنا مسؤول عنهم ، فانظر يا أخي إلى حالك وتأمل قول بعض هؤلاء الجماعة الذين برزوا في هذا الزمان فأكلوا الحرام والشبهات ولبسوا الثياب المبخرات وصار أحدهم أكثر ما يجري على لسانه فضل اللّه تعالى واسع يعني إن أكلنا الحرام لا ينقص لنا مقاما ، فاعلم يا أخي ذلك وناقش نفسك إن قبلت النصح ، والحمد للّه رب العالمين . كثرة الخوف ( ومن أخلاقهم رضي اللّه تعالى عنهم ) : كثرة خوفهم من دخول الآفات في علمهم وعملهم في إرشادهم الأمة إلى ما فيه صلاح الدنيا والأخرى ، فلا تظن يا أخي أن أحدا منهم كان يحب التقدم في أمر من أمور الدنيا بل كان أحدهم يكره الفتيا ويقول : إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : [ إن المفتي يدخل فيما بين اللّه وبين عباده ] وقد كان عبد الرحمن بن أبي ليلى رحمه اللّه تعالى يقول : أدركت مائة وعشرين من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فما كان منهم رضي اللّه تعالى عنهم محدث إلا ويود أن أخاه كان كفاه الحديث ، ولا مفت إلا ويود أن أخاه كفاه الفتيا . وكان يزيد بن أبي حبيب رحمه اللّه تعالى يقول : إن من فتنة العالم في دينه أن يكون الكلام أحب إليه من السكوت والاستماع ، وقد قيل للإمام مالك رضي اللّه عنه إن فلانا كثير العبادة ، فقال : نعم ولكنه يتكلم كلام شهر في جمعة ، وفي رواية في يوم ، وقد كان الشعبي رحمه اللّه تعالى يقول : جهدنا كل الجهد في إبراهيم التيمي رحمه اللّه تعالى أن يجلس للناس في المسجد ليحدثهم فأبى ، وكان إذا دخل المسجد لا يستند إلى سارية ولا إلى جدار ، وكان الزهري رحمه اللّه تعالى مع وفور علمه لا يفتي ويقول من أفتى بغير وفور كان للإمام معاقبته لأن المفتي على شفير جهنم . ( قلت ) ولذلك لم يتصدر غالب القوم للفتيا احتياطا لأنفسهم ، وكان الفضيل بن